الشريف المرتضى
525
الذخيرة في علم الكلام
فإذا قيل : فأهل الجنة يشكرون اللّه تعالى على نعمه . قلنا : الشكر بالقلب يرجع إلى الاعتقادات ، واللّه تعالى يفعل فيهم المعارف كلها ، فلا وجوب عليهم . وأما الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذة ، فيكون غير مناف للثواب . ومما يجب عليه : أن معارف أهل الآخرة ضرورية ، وهم ملجئون إلى أن لا يفعلوا القبيح . والذي يدلّ على أنهم يعرفون اللّه تعالى - قبل أن نبيّن كيفية هذه المعرفة - أن المثاب لا بد أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الذي استحقه ، وقد علمنا أن العلم بما ذكرناه لا يصحّ إلا مع كمال العقل والمعرفة باللّه تعالى وحكمته ، ليعلم أن ما فعله به هو الذي استحقه . والقول في المعاقب مثله في المثاب . وأيضا فان من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقه مع الاعظام والاكرام من فاعل الثواب ، لأن الاعظام من غير فاعل الثواب لا يؤثر فيه ، والاعظام لا يعلم إلا مع القصد إلى التعظيم ، ولا يجوز أن يعلموا قصده ولا يعلموه . وكذلك القول في العقاب ووصوله على سبيل الاستخفاف والإهانة ، ووجوب معرفة القصد من فاعله . وأيضا فان الثواب يجب وصوله إلى المثاب إلى أبلغ وجوه الانتفاع ، وهذا يقتضي أن يكون المثاب كامل العقل . وإذا فعل به الثواب ولم يعلم أنه هو الذي استحقه عرّض بذلك الاعتقاد الجهل ، لأن الأصل في النفع أنه تفضل . وكذلك أهل النار متى لم يعرفوا ربهم وأنه قد أوصل إليهم الآلام على سبيل الاستخفاف « 1 » كانوا معرّضين لاعتقاد كونها ظلما ، وهو جهل .
--> ( 1 ) في ه « الاختلاف » .